ابن عجيبة
366
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( ها أنتم ) : أصله : أنتم ، دخلت عليه هاء التنبيه ، وقال الأخفش : أصله : أأنتم ، فقلبت الهمزة الأولى هاء ، كقوله : هرقت . وتوجيه القراءات معلوم في محله ، و ( أنتم ) : مبتدأ ، و ( هؤلاء ) : خبره ، و ( حاججتم ) : جملة مبينة للأولى ، أو ( حاججتم ) : خبر ، و ( هؤلاء ) : منادى بحذف النداء ، و ( حنيفا ) : حال ، أي : مائلا عن الأديان إلا دين الإسلام . يقول الحق جل جلاله : يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ ، ويدعى كل فريق أنه كان على دينه ، وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ، فكيف يكون يهوديا ، ودينكم إنما حدث بعد إبراهيم بألف سنة ؟ ! وكيف يكون نصرانيا ، ودين النصرانية إنما ظهر بعد إبراهيم بألفي سنة ؟ ! أَ فَلا تَعْقِلُونَ فتدعون المحال ، ها أَنْتُمْ يا هؤُلاءِ الحمقى حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ من أمر محمد - عليه الصلاة والسلام - ونبوته ، مما وجدتموه في التوراة والإنجيل ، فأنكرتموه عنادا وحسدا ، فلم تجادلون فيما لا علم لكم به ، ولا ذكر في كتابكم من شأن إبراهيم ؟ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما خاصمتم فيه ، وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ، بل أنتم جاهلون . ثم صرح بتكذيب الفريقين فقال : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مائلا عن العقائد الزائفة ، ( مسلما ) منقادا لأحكام ربه . وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام ، وإلا لكان مشترك الإلزام ، لأن دين الإسلام مؤخر أيضا ، فكان إبراهيم إمام الموحدين ، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كما عليه اليهود والنصارى والمشركون . ففيه تعريض بهم ، ورد لادعائهم أنهم على ملته . ثم ذكر من أولى الناس به ، فقال : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ أي : أخصهم به وأقربهم منه ، لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ من أمته في زمانه ، وَهذَا النَّبِيُّ محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وَالَّذِينَ آمَنُوا ؛ لموافقتهم له في أكثر الأحكام ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : « لكلّ نبىّ ولاة من النّبيّين ، وإنّ وليّى منهم أبى وخليل ربّى » . يعنى : إبراهيم عليه السّلام ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ أي : ناصرهم على سائر الأديان ، ومجازيهم بغاية الإحسان . الإشارة : ترى كثيرا من المتفقرة يخصون الكمال بطريقهم ، ويخاصمون في طريق غيرهم ، وهي نزعة أهل الكتاب ، حائدة عن الرشد والصواب ، فأولى بالحق من اتبع السنة المحمدية ، وتخلق بالأخلاق المرضية ، وزهد في الدارين ، ورفع همته عن الكونين ، ورفع حجاب الغفلة عن قلبه ، حتى أشرقت عليه أنوار ربه ، واتصل بأهل التربية النبوية ، فزجوا به في بحار الأحدية ، ثم ردوه إلى مقام الصحو والتكميل ، فياله من مقام جليل ، فهذه ملة إبراهيم الخليل ، وبها جاء الرسول الجليل حبيب الرحمن ، وقطب دائرة الزمان ، سيد المرسلين ، وإمام العارفين ، ورسول رب العالمين ، صلى الله عليه وسلم دائما إلى يوم الدين .